أدري أهي الصدفة أم أنها المقادير ساقت الرئيس الفلسطيني المنتهية ولايته محمود عباس إلى ذلك العرض المثير والذي كشفت عنه وسائل الإعلام والذي يتمثل بموافقته على التنازل عن حائط البراق، الحائط الغربي للمسجد الأقصى والإقرار به أنه حائط مبكى اليهود، وكذلك ما تسمى بحارة اليهود من القدس المحتلة وضمهما للسيادة الإسرائيلية، وذلك ضمن خطة ومشروع ما يسمى السلام بين إسرائيل والفلسطينيين.
هذا العرض الذي كشف عنه هذه الأيام؛ في ذكرى الإسراء والمعراج وذكرى تحرير القدس من الصليبيين.
إنه حائط البراق الذي لما وصل الركب الكريم، رَكْبُ أمين السماء جبريل ورَكْبُ أمين الأرض محمد صلى الله عليه وسلم، يركب البراق إلى مسجد بيت المقدس؛ المسجد الأقصى، فإنه قد ربط دابته "البراق" بالحلقة التي يَربط بها الأنبياء، ثم دخل فصلى في قبلته تحية المسجد ركعتين ثم صلى بالأنبياء عليهم السلام إمامًا.
إنه حائط البراق إذن وليس حائط المبكى، إنه المكان الذي لا يزال اسمه إلى الآن مسجد البراق، هناك في السور الغربي من المسجد الأقصى المبارك، فكيف ومن أين لأبي مازن وحاشيته من أبطال التنسيق الأمني الرفيع مع الإسرائيليين أن يتنازلوا عن حائط البراق.
إنني أقول لأبي مازن بكل ما في الكلمات من الوضوح والصراحة: إنك إذا رضيت أن تتنازل عن حيطان بيتك وبيت والديك في صفد، وتتنازل عن حق العودة لكل اللاجئين الفلسطينيين من خلال مشروع أوسلو، الذي أنت مهندسه، وكل ذلك ليس من حقك ولا من صلاحيتك، فلك أقول وأضيف: إنه ليس من حقك أيضا أبدًا أن تتنازل عن حائط البراق والمسجد الأقصى، لأن المسجد الأقصى بيت كل الفلسطينيين وكل العرب وكل المسلمين والأمة كلها، بل إنه بيت الله جل جلاله الذي ليس لك الحق أبدًا أن تفرط في ذرة تراب واحدة من ترابه.
يا أبا مازن؛ بعد شهر واحد ستهل علينا ذكرى ثورة البراق، الثورة الكبرى التي وقعت في شهر 8/1929م بسبب محاولات اليهود المساس بحائط البراق والمسجد الأقصى المبارك، وسقط عشرات بل مئات الشهداء، وعرفت تلك الثورة باسم ثورة البراق، والتي لأجلها أعدم الشهداء، محمد جمجوم وعطا الله الزير وفؤاد حجازي، فماذا ستقول لدماء هؤلاء الأبطال وأنت تعرض تنازلك المثير هذا عمّا لأجله سالت دماؤهم؟ بل ماذا تقول للجنة التحقيق التي عينتها عصبة الأمم بعد تلك الأحداث -وكانت برئاسة اللورد الانجليزي "شاو"- والتي قررت أن حائط البراق هو جزء من المسجد الأقصى المبارك وأنه حق للمسلمين وليس لليهود؟ فإذا كان أولئك قد أقروا بحق المسلمين بحائط البراق، فكيف ومن أعطاك الحق بنزع هذا الحق منا وإعطائه لليهود؟!.
إن من يحترفون ممارسة القمار يجازف الواحد منهم بما لديه من أموال على أمل أن تكون جولته القادمة جولة رابحة، بها يعوّض ما خسره، ولكنه يعود للخسارة مرة بعد مرة، حتى إذا لم يعد لديه مال يلعب به القمار، فإنه يبيع مقتنياته ثم يبيع أرضه -إن كان له أرض- ثم يقوم برهن بيته والمقامرة عليه، وكل ذلك لأنه أصبح مدمنًا على القمار ويسهل عليه البيع، بل لأنه أصبح عديم الإحساس؛
من يهن يسهل الهوان عليه ما لجرح ٍ بميت ٍ إيلامُ
وها نحن في ذكرى الإسراء والمعراج وذكرى تحرير القدس من الصليبيين وتطهير المسجد الأقصى والقدس من رجسهم، وفي ظل ما نسمعه من العروض السمينة من طرف سلطة رام الله، وتحديدًا من الرئيس "أبو مازن"، فكيف وبأي وجه يحق للقادة الفلسطينيين اليوم أن يفرطوا في مسجدٍ، الله أمر ببنائه واختار له المكان، وأسري إليه برسول الله صلى الله عليه وسلم، وفتحه عمر بن الخطاب وحرره صلاح الدين الأيوبي.
فماذا ستقول غدًا يا أبا مازن لمن ربط البراق هناك في الحائط الذي تريد أن تتنازل عنه؟ بل ماذا ستقول لمن سالت دماؤهم من الشهداء في أكثر من مشهد تاريخي دفاعًا عن حق المسلمين في ذلك المكان؟
يا أبا مازن؛ إذا كنت ستتنازل عن حائط البراق فاعلم أن الأمة كلها ستظل تعتقد أن ذلك الجدار هو جزءٌ لا يتجزأ من المسجد الأقصى المبارك، وأن ليس لليهود حقٌ في ذرة تراب واحدة فيه، وإذا كنت أنت ستتنازل فاعلم أن أمين الأرض محمد صلى الله عليه وسلم لن يتنازل، بل واعلم أن أمين السماء جبريل عليه السلام لن يتنازل، أم أنك تقبل لنفسك أن يُسجل التاريخ عليك أن المسجد الأقصى أسري إليه برسول الله صلى الله عليه وسلم، وفتحه عمر بن الخطاب، وحرره صلاح الدين الأيوبي، وتنازل عنه وفرّط فيه محمود عباس؟! يا لخزاوة التاريخ والوطن.
رحم الله قارئًا دعا لنفسه ولي بالمغفرة
(والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون)