الأميرة ذات الهمة.. البطولة فى ثوب نسائى

0 الأعضاء و 2 ضيوف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل جنين

  • ظلٌ لصوت بعثره الموج وفتك بباقي شطانه
  • *****
  • 1960
  • 83
  • الجنس: أنثى
    • مشاهدة الملف الشخصي
الأميرة ذات الهمة.. البطولة فى ثوب نسائى
« في: أيلول 24, 2009, 11:28:40 مسائاً »
بقلم
-
زينب عبد المنعم
أطلق عليها الرومان اسم: «نصف الإسلام»، وأطلق عليها قومها لقب: «ذات الهمة»، وتعتبر سيرتها هى أكبر ملحمة عربية على الإطلاق، تمتد أحداثها عبر 23 ألف صفحة مخطوطة، الجزء الأول من السيرة خاضت فيه وحدها معركتها من أجل حرية المرأة وكرامتها، وصنعت بنفسها فروسيتها وزعامتها حتى أطلقت الطائر الجريح من قفصه الذكورى.
أما الجزء الثانى فينقلنا من أرض البداوة إلى منطقة الحدود وعالم المؤامرات حيث أسند إليها الخلفاء مهمة الدفاع عن الثغور، وعندما دفعت ابنها أمامها قيل عنهما: «الإسلام كله»!!
تفخر مكتبة المتحف البريطانى ومكتبة الدولة فى برلين ومكتبة المخطوطات بجامعة جوتنجن الألمانية باحتفاظها بنسخة خطية من سيرة الأميرة ذات الهمة تقع فى 23 ألف صفحة.
أهمية هذه السيرة ترجع إلى أنها الملحمة العالمية الوحيدة التى تضطلع ببطولتها امرأة، وهى الوحيدة التى تبنت قضايا المرأة.
وإذا كانت الملاحم الشعبية فى مجملها هى تعبير عن الحلم الشعبى المنشود فى زمن الانكسار والأفول القومى، فالبطل فى الملحمة هو الرمز والأداة التى يدفعها الحس الشعبى والملحمى للقيام بدوره فى إيقاظ النخوة والكبرياء، ولذلك فقد قامت الملاحم العربية بدور كبير فى شحذ الروح الوطنية ضد المستعمر البريطانى والفرنسى والإيطالى فى مصر والعالم العربى، وإلى هذه الملايين يعود الفضل فى الحفاظ على الروح القومية والرغبة فى النضال.
وإلى وقت قريب كان الرواة يجوبون القرى والنجوع يروون سير الأبطال الشعبيين، وكان البسطاء يتفاعلون بشدة مع الأحداث، ويحكى أن أحد رواة السيرة الهلالية توقف فى أحد الليالى عند حادثة تعرض فيها أبو زيد للأسر وقال وغدًا يا سادة يا كرام نكمل الحكاية، فإذا بواحد من الحضور يهب واقفًا رافعًا عصاه وحالفًا بالطلاق ثلاثًا ألا يقوم الراوى من مكانه حتى يعود أبو زيد منتصرًا!!
هكذا كانت السير الشعبية بمثابة حلم اليقظة للشعوب المقهورة ووسيلة دفاع يصب المجتمع العربى من خلالها غضبه وحقده على الطغاة والمستبدين، وقد اجتمعت السير الشعبية العربية فى حلمها المنشود فى نوعين من القضايا - كما يقول د. محمد رجب النجار أستاذ الفولكلور - القضايا الأولى خاصة بالتحرير الاجتماعى والثانية قضايا التحرير السياسى، وبينهما - كما يقول النجار - علاقة عضوية تشبه علاقة العملة بوجهها الآخر، ولكن تأتى دائمًا معالجة قضايا التحرير الاجتماعى سابقة على التحرير السياسى فى بدايات السيرة وتبقى متزامنة معها بعد ذلك.
وإذا كانت السير الشعبية تتشابه فى مضمونها السياسى القائم على تحرير دار الإسلام من العدوان الخارجى سنجد أن توجهها الاجتماعى يتعدد بتعدد قضايا التحرير الاجتماعى، فجاء عنترة بن شداد رمزًا لتحرير الإنسان العربى من العبودية والتمييز العنصرى اللونى والطبقى، وجاء حمزة العرب رمزًا للاستقلال، وجاء أبو زيد الهلالى رمزًا لتحرير الذات العامة من أغلال الوجدان القبلى ورواسبه التى تفوق التوحد القومى العربى.
أما الأميرة ذات الهمة فجاءت رمزًا لتحرير المرأة العربية من أغلال التخلف وتأكيدًا لحقها فى الوجود الحر الكريم وتحقيقًا لدورها فى صنع الحياة العربية على أساس من المساواة فى الحقوق والواجبات من الرجل والمرأة باعتبارها «نصف الإسلام» على حد تعبير السيرة، أو نصف المجتمع بلغتنا المعاصرة.
ثورة اجتماعية
بناءً على ما سبق لابد أن نتساءل عن سبب ميلاد هذه الملحمة، من قراءة بحث د. النجار الرائع عن ذات الهمة كنموذج لتحرير المرأة فى الخطاب الملحمى الشعبى والذى نشر فى كتاب مائة عام على تحرير المرأة الصادر عن المجلس الأعلى للثقافة.
يشير الدكتور محمد رجب النجار إلى أن الدين الإسلامى قد منح المرأة حقوقًا تعتبر بمثابة ثورة اجتماعية فى عصرها، ورفع من شأنها وقدرها ومنحها مكانة لائقة، ويقول: إن من يعود إلى طبقات ابن سعد فى الجزء الخاص بالنساء أو بلاغات النساء لابن طيفور سوف يتأكد من أمرين: حرية المرأة ودورها الإيجابى فى بناء المجتمع، ويؤكد أن هذا الدور كان يمكن أن يؤتى ثماره لولا عصور الاضمحلال والتخلف وهى عصور ساد فيها جهل شديد وشاعت فيها مفاهيم خاطئة عن الإسلام، وقد راج فيها القول أن تلزم المرأة بيتها لا تتركه إلى إلى قبرها، وفرض عليها نقابًأ نفسيًأ وماديًا ومعنويًا، وحجبت عن الحياة العامة، وساعد على هذا سيادة أصناف الترك والمغول وغيرهم من الأجناس الدخيلة والمجتمعات الذكورية والتى أضحت المقدرات العربية من الناحية العملية فى أيديهم، وهى أصناف تعودت أن ترى فى المرأة متاعًا يشترى ويباع ويحفظ فى البيوت، وما نكاد نصل إلى القرن الرابع الهجرى أو قبله حتى يمكن أن نقول إن مجتمع الحرائر قد انتكس وحل محله مجتمع الجوارى ومجتمع الحريم.
ويقول إن هذه الظاهرة الاجتماعية الخطيرة لم تكن مقبولة فى المجتمع الشعبى ومن ثم تصدى لمعالجتها فى أكبر ملاحمه الشعبية على الإطلاق، وشرع القاص الشعبى يحطم تقاليد مجتمع الحريم الذى صنعه المجتمع الذكورى ليرسى مكانه تقاليد مجتمع الحرائر بانتخاب الأميرة ذات الهمة بطلة ملحمية.
الحقيقة أن دراسة الدكتور النجار تغرى جدا بالقراءة والعرض، ولكن لارتباط الملحمة وبطلتها بحرب الثغور أخذت أبحث عن الجانب الحقيقى فى الأسطورة.
فى أحد الهوامش يقول الدكتور النجار: تدور وقائع الأحداث السياسية فى الملحمة بين الدولتين الكبيرتين آنذاك: الإسلامية والبيزنطية، وقد عقد لواء البطولة العربية فى هذه السيرة لقبيلة عربية هى قبيلة بنى كلاب، وتمحورت حول أبطالها قصص الفروسية والبطولة، فهم الذين تحملوا عبء الدفاع الخارجى والداخلى على السواء، وقد نجح القاص الشعبى عندما سجل لنا تاريخ الأمة الإسلامية بشكل ما كانت تمور به سياسيًا واجتماعيًا من خلال تاريخ هذه القبيلة أو بالأحرى تاريخ أبطالها حيث الكثير منهم أبطال تاريخيون، على رأسهم أبو محمد البطال وهو البطل المساعد فى السيرة الذى لقى مصرعه فى إحدى غزواته الكثيرة لبلاد الروم سنة 123هـ، وله سيرة شعبية معروفة باسمه، ويعتبره الأتراك بطلاً ملحميًا لإحدى ملاحمهم الإسلامية.
ومن مشاهير حرب الثغور فى السيرة القائد عبد الوهاب بن نوبخت الذى استشهد أيضًا فى بلاد الروم سنة 113هـ وقد جعلته السيرة ابنً لذات الهمة وهو البطل الملحمى الأول الموازى لها فى الملحمة.
ويقول الدكتور النجار إنه على الرغم من أن معظم المؤرخين قد أشادوا بدور بنى كلاب فى الجهاد وحماية الثغور الإسلامية إلا أنهم لم يذكروا شيئًا عن ذات الهمة؟ ويعلل ذلك قائلاً باعتبارها امرأة؟؟! باستثناء أسامة بن منقذ الذى تحدث فى كتاب «الاعتبار» عن نماذج من البطولات العسكرية النسوية فى حرب الثغور ويعلق قائلاً: أيا ما كان الأمر فقد ذاعت هذه النواة التاريخية وتحولت إلى سيرة شعبية فى القرن السادس الهجرى قبل عصر الانحدار السياسى للخلافة العباسية، إلى الحد الذى جعل السمو أل بن يحيى المغربى اليهودى الذى أسلم سنة 558هـ يسجل فى مذكراته أنه كان يستمع إلى رواة سيرة الأميرة ذات الهمة.
أحداث السيرة
مثل غيرها من السير الشعبية تمر سيرة ذات الهمة بسبع مراحل، تبدأ بمرحلة ما قبل ميلاد البطل باعتبارها مدخلاً تمهيديًا عن جيل الأجداد ثم ميلاد بطلة الملحمة، وبعدها مرحلة التنشئة الاغترابية، ومرحلة الاعتراف الاجتماعى بالبطلة، ثم الاعتراف القومى، ثم مرحلة البطولة الملحمية والجهاد، وأخيرًا مرحلة موت البطلة وتقديسها. وتبدأ السيرة بالتركيز على العنف الجسدى: الاغتصاب والقتل، باعتباره رمز الفحولة الذكورية لتقدم فى المقابل نمطًا آخر من الفحولة الأنثوية القائمة على الشرف والعفة والفضيلة.. أى البطولة الأخلاقية النسوية فى مقابل البطولة الجسدية للرجل الذى لا يرى - عبدا كان أم ملكًا - فى المرأة إلا جسدًا لا عقل له ولا روح على نحو تؤكد معه السيرة أن جيل الأجداد والآباء بثقافته الموروثة يمثل مجتمعًا عنصريًا ضد المرأة.
ومع الصفحات الأولى يدير القاص حركة صراع لا ينتهى ويموت الحارث الكلابى زعيم قومه والذى هزم كثيرًا من القبائل وأدخلهم فى طاعته، وتخشى زوجه الرباب على نفسها من انتقام القبائل فتهرب ليلاً مع عبدها الأمين «سلامة» إلى ديار أهلها، فى الطريق يطمع فيها، تقاوم، ويدفعها بيده فتنفجر منها الدماء ويهرب العبد من المشهد ويعجل الصراع بلحظة الميلاد حيث تضع ولدًا وتترك فى رقبته تميمة باسمه، وبعد فترة يعود العبد ثانية فيجدها تحتضن طفلها، يستل سيفه ويقتلها، ويعثر أحد أمراء القبائل على الرضيع «جندبة»، يربيه حتى يكبر ويعرف قومه ويعود إليهم، يتزوج من فتاة فارسة تدعى «قتالة الشجعان» بعد مبارزة عنيفة كاد أن ينهزم فيها أمامها، ومعًا ينقذان قافلة خراج الخليفة عبد الملك بن مروان، يوصلان القافلة حتى دار الخلافة، هناك يعجب بها ابن الخليفة هشام بن عبد الملك ولكنها ترفضه بشدة، يحتال لقتل جندبة ورجاله وخطفها عند رحيلهم، تظل فى الحريم ستين يومًا تعامله بالسباب والاحتقار حتى يعيبه الناس، يقتلها ويلفها فى ثيابها ويخرجها إلى الدهليز ويأمر جواريه بدفنها ليلاً، وليس عبيده حتى لا يفتضح أمره بين الرجال!!
- وفى أحداث مشابهة عديدة يتكرر المشهد بشكل أو بآخر فى قصة ليلى والصحصاح وقصة لبنى وغانم،ويصل الأمر أحيانًا إلى أن تضحى الأم بطفلها فيذبح أمام عينها على أن يمس شرفها أو تخون زوجها كما حدث مرتين مع نورا زوجة البطال وغيرها.
وهكذا تسعى السيرة فى أجزائها التمهيدية الأولى إلى إدانة الثقافة الذكورية وكشف زيف المجتمع الذكورى ورؤيته الدونية للمرأة.
- وباقتراب السيرة من لحظة ميلاد البطلة تقدم لنا ملمحًا آخر من المجتمع الذكورى المجحف، حيث يموت الملك الصحصاح ملك بنى كلاب ويرث ولده الأكبر الملك والجاه ويبادر إلى إنكار حق أخيه الأصغر من بعده حتى يكون الحكم وراثيًا فى فرعه هو؟! وبعد أحداث دامية يتفق ظالم ومظلوم أن من تلد امرأته ذكرُا ينفرد بالحكم، ويحدث أن ينجب زوجة ظالم ولدًا دعاه الحارث، بينما وضعت زوجة مظلوم أنثى، تنكر لابنته حتى لا يضيع منه الملك ويرغب فى قتلها، غير أن القابلة تشير عليه أن يعمد بها إلى أمة بيضاء من إمائه اسمها سعدى كانت قد وضعت حديثًا، وتشيع القابلة أن زوجته وضعت ذكرًا ولكنه مات لساعته!
- كتمت سعدى ما حدث وكانت تأخذ الطفلة إلى أمها أحيانًا لتحنو عليها وترضعها وأطلقت عليها الأم اسم فاطمة، بينما رفضها الأب تمامًا.
ولكن فى غارة لبنى طى على قبيلة بنى كلاب تسبى فاطمة مع ربيبتها سعدى ويستريح الأب.
وفى الأسر تكبر وتعامل بطلة السيرة كغيرها من الجوارى، وسرعان ما كرهت هذا المجتمع الجائر الملىء بالشرور، وانصرفت عندئذ تتسامى فوق واقعها الراهن بالتبتل والعبادة، وصارت تصوم النهار وتقوم الليل حتى اشتهر أمرها، وفى الوقت نفسه شرعت تدرك معنى القوة فى مجتمع لا يدين إلا للأقوياء، وسعت إلى تعلم فنون القتال والفروسية.
- ألبستها الأيام ثوب الجمال والكمال والفصاحة وبقيت كالشمس المضيئة على حد تعبير السيرة، وبدأت تتعرض لما يتعرض له أمثالها من الإماء، طمع فيها فارس من فرسان القبيلة وأخذ يلاحقها، تشكو لسيدها فيستهين بها، وعندئذ لم تجد بدًا من قتله فى رد اعتبار لذاتها الأنثوية المنتهكة.
وكان على سيدها أن يدفع الثمن، فهى أمة والحر لا يؤخذ بثمنه إلا من حر مثله ويقبل بدفع الدية على فداحتها، غير أنه يصمم على قتل هذه الأمة التى تجرأت بالدفاع عن شرفها وكانت سببًا فى خرابه على حد قول السيرة.
توسلت إليه أن يهبها جوادا وسلاحًا وتعده بالثراء الفاحش، وأخذت تشن غاراتها الناجحة على القبائل المجاورة اتساقًأ مع طبيعة المجتمعات البدوية وتجمع الأموال لسيدها فى دهشة من شيوخ بنى طى حتى أطلق عليها «داهية بنى طى».
- انتهزت قبيلة بنى طى هذه البطولة الفروسية البازغة للفتاة، صاروا يسمونها ذات الهمة، وهرعوا إليها لتأخذ لهم بثأر قديم لهم عند بنى كلاب منذ الغارة التى سبيت فيها مع سعدى.
ينتهى الأمر بأن تأسر أباها وتقوده ليلاً إلى شيوخ بنى طى الذين يقررون قتله فى احتفال مشهود، فى الليل تخبرها سعدى أنه أبوها وتخبره ذلك، وعندئذ يضطر سيدها إلى أن يرد لها حريتها لتعود إلى قومها ولتأخذ بعد ذلك موضع الصدارة فى جماعتها. فالرجل سواء بسواء. وهناك يجد فيها عمها منافسًا له ولولده فى حكم القبيلة وإدارة شئونها ويشرع فى حبك مؤامره ليتخلص منها، ولكن ابنه يقع فى حبها ولكنها ترفض قائلة: «لا أريد لى بعلاً إلا سيفى هذا»، ويزيد ابن عمها إلحاحًا وتزداد رفضًا حتى بات الحكم بينهما للسيف، إذ تقول: «لن أتزوج إلا من يقهرنى فى الميدان» يقبل الحارث مغترًا بذكوريته، ولكنها تهزمه هزيمة نكراء أمام جموع القبيلة كلها، يضطر الحارث إلى التوسل بالخليفة نفسه الذى أرغمها على الزواج منه، فهو ابن عمها قبل كل شىء!!

توافق على شرط ألا يقترب منها دون إرادتها، لكنه يتآمر مع جاريتها ويضع لها مخدرًا فى الشراب، وعندما تفيق تهدده بالانتقام غير أنها كانت قد حملت منه بابنها عبد الوهاب.
- تقوم الحرب بين العرب والروم وتستأنف أعمال القتال من جديد على الحدود فيما يعرف باسم «حرب الثغور» وتعجز قوات المنصور الخليفة العباسى عن مواجهة هجمات الروم المتلاحقة فيلجأ إلى الاستغاثة ببنى كلاب أبناء الصحصاح الذى كان يحمى الحدود الإسلامية فى عهد بنى أمية، وتنضم ذات الهمة إلى الجيش المسافر إلى الحدود وتحيل الهزائم إلى انتصارات بين سخرية الخليفة ودهشة الرومان.
- فى مرحلة البطولة الملحمية وهى دائمًا أطول مرحلة فى حياة البطل الملحمى ذكرًا كان أو أنثى تتحقق ذاتها العامة كبطلة على كل المستويات السياسة والعسكرية والدينية والقومية، ولم يكن الأمر سهلاً، فما أكثر ما تنكر لها الخلفاء، ولم يستمعوا إلى رأيها أو «شورتها»، وكثيرًا ما كانوا يتآمرون عليها، وعندئذ تحق عليهم الهزائم فى الداخل والخارج، لكنها سرعان ما تهرع إلى نجدتهم «غيرة على الإسلام».
واعترف لها الخلفاء أخيرًا بأنهم عتقاء سيفها، وعلى الرغم من أن جزاءها من الخلفاء كثيرًا ما كان الجحود والنكران إلا أنها كثيرًا ما كانت تردد «والله ما أركب الخيل طلبًا للفخر أو الجاه والسلطان، ولكن للجهاد فى سبيل رب العباد».
والسيرة تقدمها فى الجهاد مع ولدها ليمثلا معًا على حد تعبير الملحمة «الإسلام كله»، فى إشارة دالة على وجوب متكامل البطولة النسوية مع البطولة الذكورية من أجل الجهاد فى سبيل الله بالمعنى العقائدى والقومى والسياسى والعسكرى للجهاد، ولهذا أيضًا ليس محض مصادفة أن تعقد البطولة الملحمية فى السيرة لبطلين ملحميين لأول مرة فى السير الشعبية، وليست مصادفة أن يكون عنصر الربط بين البطلين هو «الأمومة»، ليس مع ولدها فحسب، بل مع كل رجالات السيرة ونسائها حتى سماها الخليفة «أم المجاهدين».
كان القاص الشعبى واعيًا جدًا لقضيته المحورية، قضية تحرير المرأة، ولذلك لم يكتف باختياره سيرة الأميرة ذات الهمة وحدها، بل تخير إلى جانبها - كما يقول د. محمد رجب النجار - نماذج نسوية أخرى لتأكيد قضيته، «ميرونة» بنت البطرق، زنانير بنت الملك بولس، القناصة بنت مزاحم، الملكة ميمونة، وهى نماذج لا تقل فى بطولتها عن الأميرة ذات الهمة نفسها، بل تفوقها أحيانًا فى الميدان، وعندئذ يعزو القاص أسباب نصر الأميرة عليهم إلى الجانب الروحى.
المؤلف المجهول للسيرة لم يكتف أن يصنع من الأميرة بطلة ملحمية ولكنه يرتفع بها أيضًا إلى مستوى القديسين وأولياء الله الصالحين لتموت فى صومعتها بعد العودة إلى الديار، وبذلك يكون قد جمع لها كل ضروب البطولة الدينية والعسكرية، الفعلية والنفسية، المادية والروحية، مؤكدًا ذلك حقها فى الوجود الحر الكريم، كالرجل سواء بسواء، محطمة مجتمع الحريم ليحل محله مجتمع الحرائر الذى يشارك فى صناعة الحياة